ابن عربي
72
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
ثم قال : هل رأيتم ، يا سادتي ، أو سمعتم * أنّ ضدّين قطّ يجتمعان ؟ ؟ يقول : الإشارة بالضدين حكاية الجنيد « 1 » حين عطس رجل بحضرته فقال : الحمد للّه ، فقال الجنيد : أتمها ربّ العالمين ، قال الرجل : ومن العالم حتى يذكر مع اللّه ، فقال الجنيد : الآن يا أخي فقل له فإن المحدث إذا قورن بالقديم لم يبق له أثر ، فإذا كان هو فلا أنت ، وإن كنت أنت فلا هو ، سبحات وجهه لو كشفت عنها الحجب لأحرقت ما أدركه بصره . لو ترانا برامة نتعاطى * أكؤسا للهوى بغير بنان « 2 » يقول : لو تراها في مقام المحاولة تتعاطى أكؤس المحبة من قوله : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] . وقوله : بغير بنان ، تنزيه وتقديس وتنبيه على أن الأمر معنوي غيبي خارج عن الحس والخيال والصورة والمثال . والهوى بيننا يسوق حديثا * طيبا مطربا بغير لسان يريد ما أراد القائل بقوله : تكلّم منّا في الوجوه عيوننا * فنحن سكوت والهوى يتكلّم تشير ، فأدري ما تقول بطرفها * وأطرق طرفي عند ذاك فتعلم وقوله : طيبا إدراكان للطعم والشم ، يشير إلى مقام الأرواح والأذواق فأخبر أنه يورث طربا ، فإن الغالب إنما يسوق الطرب السماع وما يتعلق بالفهوانية ، والغرض ما ذكرناه من الشم والذوق فيقع الطرب فيه بالخاصية وقوله : بغير لسان ، تنزيه كالبيت الأول ، وقوله : يسوق حديثا ، ولم يقل : يقود ، فإن المتكلم خلف كلامه ما هو أمامه فمنه يكون للسامع ، فلهذا جعله سوقا ، وقوله : حديثا إشارة إلى قوله : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء : 2 ] ، والبينية هنا الفرق بين المقامين والحقيقتين لا بينية مكان ولا زمان . لرأيتم ما يذهب العقل فيه * يمن والعراق معتنقان
--> ( 1 ) هو الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخزاز ( توفي 297 ه - 910 م ) أبو القاسم ، صوفي من العلماء بالدين ، مولده ونشأته ووفاته ببغداد . عرف الجنيد بالخزاز لأنه كان يعمل الخز . له « رسائل » وله « دواء الأرواح » وغير ذلك . الأعلام 2 / 141 ، ووفيات الأعيان 1 / 117 ، وحلية 10 / 255 ، وتاريخ بغداد 7 / 241 ، والرسالة القشيرية ص 430 . ( 2 ) البنان : الأصابع ، وأطرافها . واحدتها بنانة .